[AR] بين المؤامرة وملاحم آخر الزمان

[…]

 ” مقتطف من كتاب ” لاهوت المؤامرة الإسلامية

عند الفرد المتدين والذي يظهر نوعا من التمسك بالمصادر الإسلامية، مع عقيدة مذبذبة بخصوص مسألة القَدَرْ: فك شيفرة المؤامرة، يعني في الحقيقة ” تفسير مخطط الإله” و”معرفة قراءة القدر” بمعنى مراد الله للبشر وللمسلمين خاصة. الآيات التي تستلزم فك الشيفرة تصبح بكل سهولة كيف ؟ ولماذا ؟ تتحقق ملاحم آخر الزمان في الأحداث السياسية الراهنة في العالم. نهاية العالم أو الزمان لها أيضا علاماتها الخاصة والتي لفك شيفرتها وجب فك شيفرة الأحداث الراهنة. وللقيام بذلك وجب التمكن من المصادر السنية، أي معرفة النصوص الصحيحة التي تعالج ملامح آخر الزمان والمؤشرات الصريحة، الغير صريحة والمستقرئة منها الموجودة في هذه المصادر

: التمسك القوي للتيار السني بالنقل ( أي النصوص) ) استعمل هاهنا بشكل عكسي مضل

فهناك افتراض إن بعض الحوادث التي يجب حدوثها قبل يوم القيامة حدثت فعلا، وهي علامة مسجلة لنظرية المؤامرة، مع استعمال وتفسير المصادر السنية. ففي هذا الادعاء، هذه النصوص سوف تساعد رويدا رويدا على فهم كيف يتم الإعداد لهذه النهاية المستقبلية، والتي سوف تساعد المسلمين على فهم كيفية إنشاء أو التحضير لهذه المؤامرة الكبرى والتي هي في الحقيقة ليست إلا ” مخطط الله”. بالتالي سوف تؤدي هذه المؤامرة إلى ملاحم آخر الزمان التي يستطيع الجميع قراءتها بسهولة في مختلف المصادر السنية. دون نسيان ذكر أن معتنقي عقيدة المؤامرة من المسلمين هم ذوو مستوى ضحل من الإيمان الفعلي ويدخلون لمستنقع المؤامرة من بوابة فتن وملاحم آخر الزمان[1]. فهم في حاجة دائمة إلى داعية أو إمام أو منصب لنفسه ومدع مختص في ” نهاية الزمان” والذي يلعب دور الحكواتي مستعملا بكثافة غير منقطعة لنصوص آخر الزمان لشرح الواقع وحقيقة الأحداث الجارية تحت أعينهم، والتكهن بالتطورات المستقبلية أو ربما إنعاش إيمان ضعيف  بالخوض في هكذا موضوع

كل هذا يحدث في إطار الادعاء انه إذا عرفنا الأسباب الحقيقة والحالية للمخطط الإلهي ( أي المؤامرة أو المكيدة الجارية) سهل علينا استشراف الأحداث المستقبلية،  أي أخيرا، معرفة كيف سيكون شكل عالم آخر الزمان. استعمال أحاديث الملاحم وعلامتها المنذرة له هدف دائم هو ” انطلاقا منها يمكن التنبؤ بالمستقبل”[2]. يوجد آلية غير موضوعية بالمرة تؤخذ مكانها هنا هي : هناك نهاية نعرفها بما وصلنا من أخبار ولدينا أيضا مستقبل آني أو قريب وسنحاول الجمع بينهما باستعمال الأحداث الجارية حاليا.

طبعا، من المهم هنا مقارنة هذا مع ماهو معروف عن نظرية المؤامرة من قلبها للأدلة، بل وحتى مبادئ العرافة في علم التنجيم، اذ انه في اغلب الاحيان فانه يجب على المتلقي البحث بنفسه عن اتساق ومعنى ما لما يقال، إلا أن الخيال يحاول دوما إيجاد تفسيرات مقنعة لعقل واهواء المتلقي والكشف عن الروابط التي هي خاصة بكل فرد متلقي، والتي تعطي صلة وثيقة لما أريد او أراد سماعه والايمان به.

هذه النظرة الأخروية(الاسكاتولوجية) للعالم هي مركزية في التنظير المؤمراتي لدى مجموع الوعي المسلم، بل انها تلعب نفس دور الباطنية الممزوجة بالصوفية بنكهة السرية لدى الشيعة الامامية

فالنسبة لبعض المبتدئين، هذه الاقوال[3] هي بمثابة علم جديد، له شكله  ومفرداته وقواعده وخاصة المتخصصون فيه [4]، هؤلاء المتخصصون يحتلون مكانة اجتماعية هي بين الشيخ الفقيه المحصل للعلوم الشرعية وبين الحكواتي الراوي للحكايات والعبر وبين الجيوسياسي.

اذن فعلم آخر الزمان سوف تصبح واجهة من العلوم المبدئية للباطنية والتي يجب فك روموزها لمعرفة المعنى الحقيقي ثم نشرها لجمهور المسلمين بشكف الاهداف السرية للمؤامرة والتي ليست الا مقدمات لنهاية الزمان. زيادة على ذلك فان المعرفة بالتاريخ هي شرط رئيس للادعاء بمعرفة قراءة الاحداث المستقبلية ومآالاتها. لكن المتتبع لمسارلهذا يستطيع رؤية ان ان فك التشفير هذا يحدث في اتجاه عكسي تمام بسبب نصوص آخر الزمان، فتكون نقطة الانطلاق هي نهاية الزمان ثم الرجوع في الزمن حتى الوصول للعصر الحالي الذي نعيش احداثه السياسية والاجتماعية وان هذه الاحداث ليست الا ارهاصات مؤامرات ومكائد حالية او ماضية.

فالمختص أو الخبير في ملاحم آخر الزمان ” له القدرة ” على تأشير أحاديث الملاحم و إسقاطها على هذا أو ذلك الحدث الواقع هنا أو هناك في إشارة ضمنية لإدعائه العشوائي بمعرفته ب ” علم الغيب “. فهو إذا لم يعد مفسر لنصوص آخر الزمان لأنه يقدم نفسه على انه القادر على شرح وفك شيفرة وقوع المؤامرات الحالية، بل أصبح مفسرا لمخطط الرب ليصير بذلك كزعيم روحي ينتظره الجميع ليقول كيف ومتى سيخرج المهدي

ف ” العالم بنهاية العالم ” يبني إذن ” مؤامرة أخروية” والتي ظاهرها التوافق مع الأحداث السياسية والجيوسياسية الحالية.

فهذه الألعاب النارية ان صح التعبير لا تخدع الملاحظ الصبور المنتبه الذي يتفطن لعديد المزاعم السابقة لهذا العالم والتي عارضتها أحداث أحدث منها فأجبرته، من حين لآخر، على تحولات ايديولوجية، تصحيحات، بل وحتى تناقضات والنكعص المستعجل على العقبين، مادامت الأحداث مائجة وخاصة صعبة التوقع من طرف الانسان[5].

الإمام العالم بالأخرويات ( الاسكاتولوجي) يعلم جيدا ان صورته لدى الفرد المسلم لن تتضرر طالما لم يرتكب الخطأ الاستراتيجي المكفر، ألا وهو ” العلم بالغيب” أو العلم بالمجهول والمخفي أو إدعاء الاتقان التام لتفسير الإرادة الإلهية ( مشيئة الرب). فهو يحصل على امتيازات ومصداقية عند جمهوره طالما لم يتجرأ على هذا رغم أنه يلعب على تماس هذا الغموض بشكل مبطن[6]

ونلاحظ عامة في الاوساط السنية تسلسل مختلف عنه في اوساط الشيعة الامامية. فهذه الأخيرة العائمة في منطق الضحية والقبل-مؤامرة، تنفي الحقائق ثم التاريخ و قادرة ومستعدة لإختراع مصادر لتبريرها الشخصي والوصول في النهاية الى فكرة تشبه فكرة الخلاص على الطريقة المسيحية والذي تعتبره المخرج الوحيد لنصرة قضيتها.

في الجانب السني وعلى عكس الامامية فاننا نرتكز أولا على نصوص ملاحم آخر الزمان الموجودة ثم محاولة فهم المخطط العام للإله، المشكل من تكتيكات مؤامرة، والتي يقو بتنفيظها بشر يعتقدون، بفخر وغرو، انها افعالهم الا انها في الحقيقة ليست الا،  وبحتمية، الإرادة الالهية

عِصام ايت يحيى


[1]  – العديد يبنون تدين وروحانية من خلال هذا النوع من الأدب. لدى هامش معتبر من الشباب المسلم ، هناك عودة إلى الإسلام من خلال علم الأمور الأخرويات ، في هذه الفترة من الاضطرابات السياسية والاجتماعية وعدم اليقين على الصعيدين الوطني والدولي ، ولا سيما موضوعات تتعلق بالإسلام والمسلمين. بالنسبة للبعض ، يتم بناء العقيدة الإسلامية من خلال السعي إلى التحقق من صحة العلامات المبكرة لآخر الزمان باستعمال الأحداث المعاصرة ، والتي من المفترض أن تكون بالنسبة لهم دليلاً على صدق الإسلام وبالتالي هي مناسبة لإعطاء أكثر موثوقية لتعزيز ايمانهم. في فرنسا، الاسلاموفوبيا المدسترة سياسيا، الغير محتشمة أكثر فأكثروالتي تنتشر بين المواطنين ، تدفع الى إيجاد ملاذ في مثل هذه المواضيع ( المؤامرة/ آخر الزمان) كردة فعل وجواب للتمييز، وتدفع للأمل  مع الحتمية لإيجاد حل نهائي لمشاكلهم.
[2] - احسن مثال هو عمران حسين والامام ابراهيم
 [3] هذه النصوص إما مستمدة مباشرة من القرآن أو من النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)   فهي تعالج موضوع علامات قيام الساعة (مقسمة إلى علامات صغرى وكبرى) ، ظهور وحكم المسيح الدجال والمهدي (عند السنة : سليل النبي واسمه  محمد بن عبد الله) المعارك والحروب المروعة ، وعودة المسيح المظفرة ، وإنشاء الخلافة على منهاج –  النبوة ، ثم نهاية العالم نفسه (البعث ويوم القيامة)). هذا النوع من الأحاديث يدرس بعناية من قبل الاصوليين ، وصحة بعض هذه المرويات ، فضلا عن ترتيب هذه العلامات غالبا ما تكون موضع نقاش.
[4]  – بعد كتابة هذا المقال، علمنا ان عمران حسين والعهدة لموقعه، أنه سوف ينشأ معهد علم آخر الزمان Institute of Islamic Eschatology وذلك في نوفمبر 2014.
 [5] يجب الأخذ بعين الاعتبار الزخم الذي أخذته هذه الظاهرة بفضل الإنترنت. فبفضلها استطاعت نظرية المؤامرة رؤية آثارها تتضاعف وتتعزز بشكل كبير من خلال أداة الاتصال هذه  وفي الوقت الحقيقي. وبفضلها ايضا فإن  نظرية المؤامرة تبني نفسها وتتفاعل بشكل فوري : وهذا يسمح لقيادييها والمنظرين و “شيوخ المؤامرة”  ومع التدفق المستمر-  والمتواصل لانتاجهم الالكتروني ، أن يكونوا بسهولة  صورة ذات مصداقية ولكن فقط في لحظة آنية. لأنه يكفي ببساطة أن نتتبع ونحاول نقد المضمون المتوفر بمئات الساعات وعلى مدى فترة زمنية طويلة نسبيا، لإثبات الكميات الهائلة من الأخطاء والتكلفات التي تتناقض مع الواقع الحالي والماضي القريب للأحداث .وكعادة القط الذي يسقط دائما على أقدامه، فإنهم يواصلون الحفظ على تلك الصورة الآنية ، بإغراق تحليلاتهم القديمة بأخرى جديدة تتكيف يوميًا مع الاحداث الجديدة.  وبطبيعة الحال ، يبقى الأتباع  يتبعون بشكل أعمى خيوط هذه “التحليلات النبوية” التي تبدو متماسكة ، دون أن يدركوا حتى المنعطفات ، والخطوات الخلفية والطرق المسدودة التي اقتيدوا إليها. وحينما يتذكر بعض الناس حالات عدم الاتساق السابقة ، يجيب المنظّرون: “لكنك لم تفهم المعنى الحقيقي لما شرحته لكم”.
[6] – أحسن مثال هو هارون يحيى التركي الذي كان واحداً من أوائل الذين تبنوا هذه المنهجية بخلط ملاحم آخر الزمان بالمؤامرة والتاريخ وحتى العلوم. أصبح معروفًا للجمهور المسلم الناطق بالفرنسية في منتصف التسعينات من خلال نقده لنظريات الداروينية ، التي أصبحت أعمالها شائعة للغاية-.


Article en langue française :
http://www.nawa-editions.com/les-musulmans-entre-complotisme-et-eschatologie/

Commande du livre :

Ideologie



Recevez nos derniers articles directement sur votre boite mail :


Laisser un commentaire

*